الشيخ عبد الغني النابلسي

71

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فإنّ الملائكة ، لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ من العبادة الذّاتيّة . فإنّه ما يعرف أحد من الحقّ إلّا ما تعطيه ذاته . وليس للملائكة جمعيّة آدم . ولا وقفت مع الأسماء الإلهيّة الّتي تخصّها وسبّحت الحقّ بها وقدّسته ، وما علمت أن للّه أسماء ما وصل علمها إليها ، فما سبّحته بها ولا قدّسته فغلب عليها ما ذكرناه ، وحكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النّشأة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] . ( فتحفّظ ) يا أيّها السالك في طريق اللّه تعالى واحترز من الوقوع في مثل ذلك من الطعن في غيرك ولو بقلبك حيث أمرك اللّه تعالى بالسجود التعظيمي الاحترامي لأحد من الكاملين وإن كنت في التقوى والديانة مثل الملائكة المعصومين ، فلا تغتر بذلك واحترز من مدح نفسك بالنظر إلى أكمل منك ، وإن وقعت في شيء من ذلك فتدارك نفسك بالتوبة منه والسجود في الحال لما أنت مأمور بالسجود له من أهل عصرك سجود الإنصاف والاعتراف بالحق ، ولا تجحد وتعاند كما جحد إبليس وعاند فيطردك اللّه عن حضرته ويلعنك كما لعن غيرك قبلك . واعلم أن الملائكة ما طعنت في آدم عليه السلام كما طعن فيه إبليس ولا مدحت نفسها كما مدح إبليس نفسه ، وإلا لما وفقت الملائكة للسجود لآدم وانجبر بذلك نقصانهم عند اللّه تعالى ، وبيان ذلك أن الملائكة طعنت في آدم عليه السلام قبل أن يخلقه اللّه تعالى ويظهره في هذا العالم وقبل أن يعلمه الأسماء ويفضله عليهم ، فطعنهم في الحقيقة ليس في شخص معين موجود في الخارج ، وإنما كان طعنهم في شخص مفروض وجوده على حسب ما استعدوا له من إدراكه ، ثم لما خلقه اللّه تعالى وأنبأهم بالأسماء أذعنوا للحق وانقادوا له فجبر السجود ما وقعوا فيه من الذلة ولم يصروا وبادروا بالمطلوب . وأما إبليس فقد طعن في آدم عليه السلام بعد أن خلقه اللّه تعالى وأظهر فضيلته بين الملأ الأعلى بالإنباء بالأسماء ومدح نفسه فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فقد وصلته فضيلة عن اللّه تعالى وكذب فلم ينلها كما قال عليه السلام : « من بلغه عن اللّه فضيلة فلم يصدق بها لم ينلها » أخرجه السيوطي في الجامع الصغير « 1 » ، فاحذر أن يكون

--> ( 1 ) رواه أبو يعلى في مسنده ، عن أنس بن مالك برقم ( 3443 ) [ 6 / 163 ] .